ابن العربي
226
أحكام القرآن
على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، وقوموا للّه قانتين . وهذا يدلّ على أنّ الصلاة الوسطى غير صلاة العصر ، ويعارض حديث على رضى اللّه عنه ويبيّن أنّ المراد به أنها كانت وسطى بين ما فات وبقي . وأما من قال : الجمعة ، فلأنها تختصّ بشروط زائدة ؛ وهذا يدلّ على شرفها وفضلها . وأما من قال : إنها غير معينة ، فلتعارض الأدلّة وعدم الترجيح ؛ وهذا هو الصحيح ؛ فإنّ اللّه خبأها في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان ، وخبأ الساعة في يوم الجمعة ، وخبأ الكبائر في السيئات ؛ ليحافظ الخلق على الصلوات ، ويقوموا جميع شهر رمضان ، ويلزموا الذّكر في يوم الجمعة كلّه ، ويجتنبوا جميع الكبائر والسيئات . المسألة الخامسة - قال بعض علمائنا : في هذه الآية فائدة ؛ وهي الردّ على أبي حنيفة في قوله : إن الوتر واجب ؛ لأنّ الوسط إنما يعدّ في عدد وتر ؛ ليكون الوسط شفعا يحيط به من جانبيه ؛ وإذا عدّت الصلوات الواجبات ستّا لم تكن الواحدة وسطا ؛ لأنها بين صلاتين من جهة ، وبين ثلاث صلوات من أخرى ؛ وهذا مبنيّ على أنّ الوسط معتبر بالعدد أو بالوقت ؛ وقد بينّا أنّ ذلك محتمل لا يدلّ على تعيينه دليل . المسألة السادسة - قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ . اعلموا وفّقكم اللّه تعالى أنّ القنوت يرد على معان ، أمّهاتها أربع : الأول - الطاعة ؛ قاله ابن عباس . الثاني - القيام ؛ قاله ابن عمر ، وقرأ « 1 » : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أفضل الصلاة طول القنوت . الثالث - إنه السكوت ، قاله مجاهد . وفي الصحيح قال زيد : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت « 2 » : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ، فأمرنا بالسكوت . الرابع - أنّ القنوت الخشوع . وهذه المعاني كلها يصحّ أن يكون جميعها مرادا ؛ لأنّه لا تنافر فيه إلا القيام ، فإنه يبعد أن يكون معنى الآية : وقوموا للّه قائمين ، إلّا على تكلّف . وقد صلّى ابن عباس الصبح
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية 9 ( 2 ) سورة البقرة ، آية 238